محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
مقدمة 51
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ويذكر التخصيص والتشخيص في « الرحمة » وفي « العبودية » . ويظهر أنّ اهتمامه بالتشخيص واتّخاذه محورا من محاور أسراره يقوم على أساس مدرسة تفهم أنّ إسلام الفرد والمجتمع لا يتمّ إلّا بتولّي أولياء اللّه وخاصّة الرسول وآل بيته ، والبراءة من أعدائهم ، وهي مدرسة تقابل التيار الأموي الذي حاول أن يلغي هذا المفهوم ويعتّم على مفهوم التولّي والتبرّي . يقول في ذكر أسرار الآيتين 165 و 166 من سورة البقرة : « قال المؤمنون الذين هم أشدّ حبّا للّه : إنّ الدين هو الحبّ في اللّه والبغض في اللّه فالمؤمنون لمّا كانوا في موالاة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - والحبّ له إلى غاية ، يبذلون أرواحهم على محبّته والذبّ عن دينه ، يحاربون في رضاه أسرتهم ، ويقطعون في إحياء دينه أرحامهم ، ويبذلون أموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه ، فهم أشدّ حبا للّه ، وفي الخبر : « من أحبّ أهل بيتي فقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ اللّه » . فيثبت أنّ حبّ اللّه حبّ رجل من أولياء اللّه ، ومن اتّخذ من دون اللّه - إمّا أصناما ينحتونها بأيديهم فيعبدونها ، وإمّا أشخاصا ينصبونها بآرائهم فيتولّونها ، فيحبّونهم كحبّ اللّه ، ويوالونهم كموالاة أولياء اللّه - وذلك في الأوّل يتشابهان ، أمّا في الآخر : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا فهما يتباينان وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ فإنّ أنساب المؤمنين ووصلاتهم تتأكّد في القيامة وأسباب الكافرين ووصلاتهم تنقطع يوم القيامة . » « 1 » فحبّ اللّه يتشخّص بحبّ رسول اللّه ، وحبّ رسول اللّه يتشخّص بحبّ أهل بيته ؛ وإذا كان المؤمن يتشخّص بهذا الحبّ ، فإنّ المنافق يتشخّص ببغض أولياء اللّه ؛ ويروي الشهرستاني في ثنايا تفسيره مرارا حديث سعيد بن المسيب : « ما كنّا نعرف المؤمنين والمنافقين في زمن رسول اللّه إلّا بحبّ عليّ وبغضه . » « 2 » ويظهر موقف الشهرستاني من التيار الأموي بوضوح حين يتناول عبادة العجل في هذه الأمّة كما ظهرت في بني إسرائيل ويرى أن هذه العجال تشخّصت في هذه الأمّة بيزيد بن معاوية ، يقول : « وكذلك ظهرت في هذه الأمّة فتن في عبادة العجال . . وكما أمر عبدة العجل بقتل أنفسهم - على ما حكي في القصّة - كذلك أنزل اللّه سخطه على عبدة العجال في هذه
--> ( 1 ) . الورقة 289 آ ، ب . ( 2 ) . الورقة 66 ب .